شرح عام لمجريات الحياة اليومية في مصياف كما كانت تجري في زمن غابر على لسان أحد أبناء البلد ممن عاصر الجيلين معا….
مشهد من بيت مصيافي….
المكان…: أحد البيوت المصيافية الأثرية
الزمان…: ما قبل خمسينيات القرن الماضي….
المنزل..:
بيتنا القديم….لربما هو ذاك الشيء الوحيد الذي لا يمكن له أن يفارق مخيلتي العجوز مهما طال بي الزمان من أمد ولربما هو ذلك الشيئ الوحيد الذي سوف يبقى معانقا روحي حتى لو فارقت من جسدي ما فارقته…
بيتنا القديم كسائر بيوت مصياف التقليدية..ربما كان مختلفا قليلا كوني من إحدى الاسر الاسترقراطية..ولكن في وصفه العام لا يختلف كثيرا عما سواه..إذ يبدأ بباب خارجي يطل على إحدى الساحات التي لا تزال موجودة حتى يومنا هذا…في الداخل و كعادة البيوت الشعبية فناء داخلي واسع تطل عليه ثلاث غرف عريضة..أولها هي غرفة ( المونة ) كما كنا نسميها وهي الغرفة التي اعتدنا تكديس فيها ما نحتاجه من لوازم المعيشة لعام كامل من أكياس القمح والحنطة وجرار الزيت وغيرها…الغرفة التالية هي غرفة المعيشة وهي مكان جلوس العائلة وكانت مسقوفة بشكل خشبي مائل للسواد وسبب سواده هو وجود منقل حجري كبير في منتصف الغرفة يستخدم لتشعيل حطب التدفئة..وطبعا كانت الأدخنة المتصاعدة من نيرانه كفيلة بإحداث ما أحدثته من سواد….الغرفة الثالثة وهي غرفة ( التنور ) والتي كانت تحتوي على تنور ضخم لإعداد الخبز بالإضافة إلى الاحتياجات الأخرى لصنعه.. ما كان يميز بيتنا و بيوت قليلة أخرى عما سواها هو وجود طابق ثان يحتوي على غرف النوم وغرفة أخرى للمعيشة كذلك ويتم الصعود إليه عن طريق سلم حجري موجود في الفناء الداخلي…..
بالإضافة إلى تلك الغرف فقد كان موجود في بيتنا شيء أخر قل نظيره و هو ما يدعى بالمنزول…
أما المنزول فهو عبارة عن غرفة من غرف البيت يتم الاعتناء فيها بعناية بالغة ويكون لها باب مستقل إلى ما خارج المنزل….حيث كان المنزول هذا يعد لاستقبال لاجتماعات رجال الحي ولاستضافة الضيوف المهمين ممن قد يفدون إلى مصياف ويقررون المبيت فيها…و عدد العائلات التي كانت تملك مثل هذا المنزول في مصياف كان قليلا و لكن لعل أهمها تلك المملوكة لدى كل من عائلتي الشوباصي والحلو….
أحد حيطان الفناء الداخلي كان جزءا من السور التاريخي للمدينة حيث كانت معظم البيوت تبنى على السور وكان هناك باب ضمن السور لكل منزل يطلق عليه ( باب الصور)
باب الصور خاصتنا كان يؤدي إلى حديقة كبير ملك لنا كنا ندعوها ( بالحاكورة) واعتدنا تربية الحيوانات الأليفة فيها من ماعز ودجاج وأحيانا الكلاب…
* * * *
العائلة…:
في المنزل كانت عائلتنا تتألف من عدد كبير من ألأخوة والأخوات وبفارق كبير في السن كما هي عادة معظم الناس في تلك الفترة فقد كانت نظرية ( الجاه في الكثرة ) سائدة بشدة في المجتمع المصيافي
أخي الكبير لم أره إلا وقد بلغ العشرين من العمر فقد كانت العائلة المصيافية تعتد كثيرا بالاخ الأكبر وتعمد إلى تعليمه أفضل تعليم إن استطاعت وعلى هذا فإن أخي قد درس في أحدى المدارس الداخلية في حماة كونها أحسن تعليما من نظائرها المصيافية المتخلفة نوعا ما…
أخواتي البنات أيضا كان لهن حظا وافرا من التعليم وعدد منهن نال شهادة ( السارتفيكا ) وإحداهن نالت شهادة ( البروفيه ) كون عائلتي من الأسر المحافظة نوعا ما ولكنها متفتحة الذهن والعقل والتي لم تكن تعارض تعليم الفتيات وهذا كأغلب العائلات المصيافية أئنذاك …
وبسبب الفارق في السن بيننا أيضا فقد أعتدت اللعب مع أولاد اخوتي كونهم يقاربونني سنا و منهم من هو أكبر عمرا من أخوتي الصغار…
*****
الطعام….
كما هو الحال اليوم فقد كنا نملك ثلاث وجبات يوميا مع الاختلاف الشديد طبعا بين زمننا وزمنكم
فالفطور عندنا كان يختلف من منزل وأخربحسب امكانياته ولكن بشكل عام كان يتألف من ( الزوفا ) أولا والتي كنا نشربها عوض الشاي كون الشاي كانت مشروبا غالي الثمن وللترفيه فقط وللضيوف الغرباء…
خبز التنور كان الخبز الوحيد الموجود ويخبز يوميا بواسطة والدتي والى ذلك كنا نتناول الجبن البلدي بالاضافة إلى (اللبنة) والتي كنا نتناولها على شاكلة ( دعابيل اللبنة بالزيت ) كون هذه الطريقة تحفظها من أن تفسد…اما البيض فكان ثمنه غال نوعا ما لذلك كنا نعتمد نحن وكثيرون غيرنا على مبدأ ( دجاجة لكل فرد ) أي كل واحد من أفراد العائلة كان يملك دجاجة خاصة به ..إن باضت له بيضا في الصباح اكلها وإن لم تبض فعليه ان يتمسك بألامل لليوم التالي عله يتناول بيضة….
في بعض الأحيان كنا نتناول ( الحمص ) حيث كنت أتوجه بصحن كبير إلى جارنا الحمصاني فيملأه بالحمص المدقوق بواسطة الهاون باليد وكان ألذ طعما مما نأكله اليوم..
أما الغداء فلم يكن يختلف كثيرا عن اليوم فالمأكولات المصيافية هي هي في معظمها…اللحم بالعجين…المعجوقة…الهريسة…الأرز والشاكرية….الخ من هذه الأكلات التقليدية…أما ما يدعى بالبيتزا و المعكرونة والهمبرغر فما كنا نعرفها قط ولم نسمع بها أبدا. وطبعا كانت معظم هذه الاكلات تحضر في المنزل وعلى ببور الكاز أما العائلات البسيطة فكانت تعتمد على الحطب للطبخ…
أما العشاء فيكاد يكون مثل الفطور ولا شيئ يختلف سو انه يتم على نور ( ضو الكاز) وذلك طبعا لانعدام الكهرباء ……
******
المدرسة …:
ما كان يعيب نظام المدارس أنذاك هو عدم وجود تقيد بأعمار تسجيل الطلاب فأذكر مثلا أننا كنا في صف واحد وبأعمار متفاوتة جدا قد تصل إلى أربع أو خمس سنوات ضمن الصف الواحد وهذا برأيي ما كان يشكل عائقا في العملية التدريسية كذلك كانت المدرسة تتميز بقلة المدرسين الأكفاء وندرتهم ومعظمهم كانوا من خارج البلدة ويأتون بشكل ايفاد.
لباسنا المدرسي كان كحلي اللون و بقبة بيضاء مزركشة الحواف أما الحقائب فكانت تختلف باختلاف المستوى المادي للأهل فالطلاب من العائلات البسيطة كانت حقائبها عبارة عن كيس قماشي مخيط و لربما كان من ثوب قديم ويعلق على الكتف أما الطلاب ذوي الحالة المادية الجيدة فقد كانوا يعتمدون حقائب مصنوعة من التنك والجلد وكانت في نظر الجميع مدعاة للفخر و( العنطظة ) كما يقال…
*******
الحي….:
نظرا لقلة عدد سكان مصياف في تلك الفترة فمن الطبيعي أن تتوقع عدم وجود عدد كبير من الاطفال في كل حي فأذكر أنا أننا كنا حوالي اثنا عشر طفلا في الحي باكمله وسبعة فقط كانوا من جيل واحد أما الباقون فتتفاوت أعمارهم بشكل كبير
ألعابنا كانت بسيطة نوعا ما ولكنها ف معظمها كانت تعتمد على الحالة الجماعية مثل الغميضة..العسكر و الحرامية…بالاضافة إلى الالعاب أخرى ( كالدحل ) والتي كان لها شعبية كبيرة وكذلك لعبة ( الحجة ) أما كرة القدم فلم تكن تحظى باهتمام كبير ونادرا ما كنا نلعبها…
المصروف اليومي للولد كان يختلف ما بين اسرة وأخرى فبعض الأولاد لم يكن لهم مصروف على الاطلاق والآخرون تتدرج مصروفاتهم من النصف فرنك إلى فرنك أو اثننان وبأفضل الحالات فرنكين ونصف..اما في الاعياد فقد تصل العيدية إلى ربع ليرة ( خمس فرناكات )..وأحيانا إلى ( ليرة كاملة ) وهنا كانت فرحتنا لا توصف…فليس هناك اجمل من شعور أن تملك ليرة كاملة لك وحدك…اما إلى أين تنزلق هذه الاموال فهذا موضوع أخر فلم تكن الفرص المتاحة للانفاق كثيرا فهذا يشتري ( خسة ) و ياكلها والأخر قرص من المشبك أو شعيبية أو التفاحية أو الكرستا ولكن هذا لا يمنع من وجود بدائل أخرى قليلة كزجاجات الكولا أو أنواع قليلة من البسكويت أو حبات القضامة المغبرة والحلوة….اما المثلجات فكانت نادرة جدا فمعظمها كان بيعها يتم عن طريق بائعين متجولين يأتون من حماة غالبا ويحملون صناديق من التنك تحتوي على البوظة العربية..وكان احيانا يتم بيع قوالب ( الأسكا ) الملونة …..في بعض الأحيان و في الأعياد كان يمر ضمن الشوارع رجل صندوق الحكايا وهو يحمل صندوقا يعرض فيه بعض الصور مع حكاية معينة وقد كان تلفزيون العصر وذلك طبعا لقاء نظير مادي قد يكون نقودا أحيانا أو حتى بدائل أخرى كبيضتان ورغيف من الخبز او كوب من الحليب أو أي شيئ أخر له قيمة….
******
السهرات العائلية…:
لربما كان اليوم المصيافي فيما مضى أقصر مدى من زمننا هذا ففي حين أن حركة الناس في الشوارع هذه الايام تستمر إلى ما بعد منتصف الليل ولربما لا تتوقف أبدا وكأن الحياة لا تعرف طعما للراحة ولا المساء يترك له الناس وقتا ليفرض سيطرته على البشرية فإن الحال فيما مضى كانت مختلفة كثيرا عن الآن فجميع مظاهر الحياة كانت تبدأ بالخمول مع حلول الساعة السادسة مساء (في الشتاء) ..تخمد حركة الناس في الشوارع …تغلق الدكاكين ..تهجر الأسواق..لتغلق بعدها أبواب مصياف الخشبية الأربعة وتشعل فوانيس الزيت في بقربها ويستعد حارسها الليل لمنع أيا كان من دخول المدينة الا بعد معرفة غايته ومراده….
قد يكون لسبب هذا المساء المبكر علاقة بالتكنولوجيا أكثر من ارتباطه بالتغيرات المناخية فكون الكهرباء كانت شيئا غير مألوف في ذاك الزمان فقد كانت فوانيس الزيت ( أو ضو الكاز ) هي البديل الأنسب وقد كانت تتمتع بإضاءة جيدة ولكن لها عيبان كبيران أولهما تكلفة إضائتها المرتفعة نوعا ما فالزيت لم يكن رخيصا بالاضافة إلى عيب أخر هو عدم القدرة على تحمل العين اضائتها لفترة طويلة بالاضافة إلى أنها تسبب النعاس..ولذلك فقد كان الناس يبدؤون باستخدامها مع أول حلول الليل لحوالي ساعتين أو أكثر قليلا أي إلى حوالي التاسعة مساءا…. و يكون بعدها الجميع يهنؤون بأحلام سعيدة..
تلك الفترة الزمنية القليلة كانت المستغلة من قبل جميع العائلات لقضاء سهرة عائلية ممتعة…يجتمع فيها الأب والأم والأولاد وقد ينضم بعض الاقرباء..
لا بمكن أن يغيب عن مخيلتي مشهد تلك المجموعة الاولاد والبنات المتحلقين حول المجمر الحجري عيونهم شاخصة في نيرانه المتصاعدة وأذانهم صاغية لحكايات عمتي العجوز عن الجن والعفاريت و كرامات الأولياء التي طاردت الشياطين وحلت مشاكل الناس المؤمنين…مشهد لا يمكن ان ينسى أبدا وخاصة تلاصق الاولاد جنبا إلى جنب بحجة التدفئة من البرد الشديد في حين كان الخوف من الحكايات هو من يدفعهم إلى ذلك وكل واحد منهم يتوقع في أية لحظة خروج عفريته من بين النيران و من أبخرة دلال القهوة المتصاعدة……..
*******
الكروم…:
قد يكون تعريف الكرم لغة هو عبارة عن الارض الواسعة المزروعة بالكرمة…ولربما الكرم بهذا التعريف شيئ شائع في العديد من المدن والقرى الشامية..أما المصطلح المصيافي لمعنى كلمة كرم فتأخذ منحى مغايرا نوعا ما و يمكن تعريفه بأنه كالسوسة التي تنخر عظم الانسان المصيافي ولا تبارحه مطلقا…صراحة ..لم تسعفني اللغة العربية لاعطاء تعريف مناسب للكرم المصيافي فهو كرم ولكنه في الحقيقة ليس كرما …هو بيت لكنه ليس بيتا ..هو مقهى ولكنه ليس مقهى هو في الحقيقة ابتكارا مصيافيا بحتا..فلم ألقى شيئا مشابها لمعناه في مدينة أخرى..
أيا كان…فعادة حب الكروم عادة يتوارثها أبناء البلد جيل بعد جيل بعد جيل ورغم بقاء المضمون نفسه فأن شكلياته قد اختلف كثيرا عما مضى ففي حين نشاهد البيوت والقصور المليئة بالتكنولوجيا حاليا تأخذ معنى الكرم وفي حين أن الصعود إلى أية كرم في الوقت الحاضر قد لا يستغرق من صاحبه الا بضع دقائق في سيارته وأكثر منها قليلا راجلا ..فإن الوضع سابقا كان يختلف بشكل كبير..اول الاختلافات تكمن في المسافة فحجم مصياف القديمة الصغير كان يرتب على أية شخص قطع مسافة كبيرة ليصل كرمه مع انعدام أية وسيلة نقل سوى البغال وأحيانا الاحصنة فكنا اذا قررنا الصعود إلى كرمنا كان يترافق معه قرار مسبق بعد النزول قبل يوم كامل على الأقل فليس معقولا قطع كل هذه المسافة وحمل الأمتعة معها من أجل قعدة ساعة أو ساعتين كما تفعلون اليوم….أيضا الاختلاف الاخر بين الماضي والحاضر يكمن في طراز بناء الكروم فلم تكن الابنية الحجرية شائعة جدا ومن كان يملك كرما حجريا من غرفة واحدة فذاك هو الثري بعينه والمرّفه فمعظم الناس كانت تعتمد على خيم صغيرة تبيت فيها أو كوخ خشبي في أحسن الاحوال…….هكذا كنا وذالك أجمل طبعا…وجهة نظر…
Popularity: 49% [?]















