تعليق واحد على “حكايات جدتي…من تراث مدينة مصياف”

  1. الحكاية الثالثة عشرة….

    يقال أن أحداث هذه الحكاية قد حدثت في مطلع القرن الماضي وفي أيام ما يعرف شعبيا باسم ( أيام السفربرلك) حيث دأبت السلطات العثمانية والتي كانت البلاد لا تزال واقعة تحت سلطاتها على القيام بتجنيد الشبان ممن يصلحون للخدمة العسكرية والحاقهم بالجيش الأنكشاري و من ثم ارسالهم الى حروب لا أحد يعلم أين ستقع وفي أي منطقة من مناطق الامبراطورية الشاسعة ستحدث…
    يحكى أنه وبعد انتهاء معركة (الترعة) والتي وقعت في الأراضي المصرية بين العثمانيين و الانكليز و آلت الى سقوط الأراضي المصرية بيد القوات البريطانية تبعثر الجيش الانكشاري بكامله وتفرق كل فرد من أفراده عائدا الى وطنه الذي أتى منه…
    من بين أولئك الأفراد كان هناك فردا من أبناء بلدتنا شاءت الأقدار أن تكتب له النجاة من هذه الحرب الضروس فانطلق عائدا الى البلد حامدا الله في كل لحظة وغير مصدق بأنه سوف يلقى أهله من جديد رغم ايمانه التام بأنهم قد سلموا بموته منذ زمن بعيد فما سبق لأحد أن نجا من هذه الحروب وعاد سالما….
    رغم حلاوة العودة الى أن شقاء الرحلة كان يعادلها اذ كان عليه قطع المسافة البعيدة في معظمها مشيا على الأقدام فما من سيارات تقله والقطار عليه ألا يمن نفسه به خوفا من تلقي السلطات العثمانية القبض عليه وترسله الى مغامرة أخرى من جديد…
    يحكى أنه وبنما كان مارا في بادية ما بات يعرف اليوم بالأردن وكان التعب قد نال منه ما نال أراد أن يريح جسده قليلا فتسلق أعلى شجرة قائمة في الطريق واستسلم لنوم عميق….
    لم يدري كم من الوقت قد مر وهو نائم ولكن ما إن استيقظ حتى هم بالنزول ليتفاجأ بوجود أسد هائل الجثة مستلقيا عند جذع الشجرة وبجانبه أنثاه التي لا تقل ضخامة عنه….
    هال المسكين هذا المنظر الذي رآه وتأكد من أنه سوف يصبح فريسة شهية لملك الغابة خاصة عندما رفع الأسد بصره نحوه وزمجر قليلا..
    بعد حوالي ساعة من هذا الوضع الذي علق فيه شاهد الأسد يقوم مبتعدا وحيدا عن المكان في حين بقيت اللبوة مكانها ولكن يا لها من مفاجأة تلك التي شاهدا أذ ما إن غاب الأسد عن الأنظار حتى شاهد أسدا آخر قادم نحو اللبوة التي بدورها قامت باستقبال الأسد الجديد وذهبت معه…

    المسكين ورغم أن المكان قد خلي الآن الا أن الرعب كان لا يزال يشل قدميه ولم يجرؤ على النزول بل استمر جالسا مكانه حتى شاهد الأسد الأول قد عاد حاملا بفه فريسة كبيرة ولكنه تركها و بدأ يشمّ الأرض ويدور في مكانه..فأدرك على الفور بأن هذا الأسد المسكين يبحث عن زوجته التي بدورها قد خانته مع أسد آخر وتأكد له هذا الشعور عندما شاهد الأسد ينظر اليه بعينين حائرتين وكأنه يسأله عن مكان وجودها..فما كان منه إلا ان أخذ يشير له وبيديه ويحاول إفهامه بأنها قد ذهبت مع غيره..وبالفعل وكأنما ذلك الحيوان قد فهم الأشارة فأومئ له برأسه وذهب..
    لم يمضي من الوقت إلا قليلا عندما عاد الأسد يمشي متمخترا ومن وراءه تمشي الأنثى رويدا وحالما وصلا الى قرب الشجرة رفع الأسد رأسه الى الرجل وكأنما يقول ها قد ظفرت بها ثم رفع يده وانهال بها بضربة ساحقة على رأس اللبوة التي سقطت صريعة على الفور والدماء تتطاير من رأسها الذي تحطم.. و وضع قدمه على جثتها الطرية وأطلق صيحة ارتعدت من أجلها مفاصل الرجل المسكين الذي كاد يسقط من فوق الشجرة….
    بعد ان أنهى الأسد عملية ابراز العضلات أومئ للرجل برأسه أن ينزل للاسفل فقرر تنفيذ أمره بسرعة لأنه كان على علم تام بأن هذا الحيوان يستطيع وبقفزة واحد ان يرميه أرضا… فبدأ بالنزول مسلما أمره لله تعالى وقارئا الفاتحة على روحه …ولكن كم كانت دهشته كبيرة حين أدار له الأسد ظهره وكأنه يطلب منه ارتقاءه …فركب…
    بدأ الأسد ينطلق به باتجاه الشام معبرا بفعلته هذه عن عميق امتنانه للرجل الذي كشف خيانة زوجته له واستمر بالعدو حتى شارف على أبواب دمشق وعندها أنزله ولعق يديه وعاد من حيث أتى…

    يقال أن الرجل استمر في رحلته حتى وصل لمصياف إلا أن أهله لم يعرفوه بداية فرغم أنه كان في الثلاثينيات من العمر إلا ان هيتئه كانت تدل على رجل قارب الستين إذ كان وجهه شاحبا ممزقا مجعدا والشيب يغطي شعره بالكامل ولم يكن ذاك من فعل الحرب كما أخبرهم بل من هول ما رآه من تلك الحيوانات……
    ويقال أن الرجل ظل طريح الفراش لمدة ثلاثة أيام وسلمّ الروح لخالقها بعدئذ….

    الحكاية الرابعة عشرة….

    يقال أن هذه الحكاية قد حدثت تفاصيلها في أواخر القرن الثامن عشر وهي كما يلي:
    في مكان ما يعرف حاليا بمحلات الأسمر كان يقوم خان آثري قديم جدا وكانت تؤول ملكيته لعائلة المير… وكأي خان آخر اعتادت جميع القوافل التي قاداتها أقدامها الى مصياف بغرض التجارة أو عبور الطريق الى النزول فيه والحصول على قسط من الراحة….
    من بين القوافل العديدة التي كانت تؤم هذا الخان يقال أن وفدا من التجار قدم اليه وكانت ملامحهم غريبة بعض الشيئ ولكن كان يبدو عليهم الثراء الفاحش وكانوا يغدقون بالعطاء الوفير على جميع العاملين في الخان الذين أخذوا يتوددون لهم وكل واحد يمني نفسه بمكافأة أكثر من الأخرين….
    شاب واحد من أولئك العمال لم تغره الأموال الوفيرة فقط ولكنه لاحظ وجود قطة سوداء رائعة الجمال ترافقهم دوما وتلاحقهم من مكان لأخر..
    لمح لذلك الشاب او خيل له أن هذه القطة تنظر إليه بشكل غريب وطبعا لم يعر ذلك اهتماما في البداية ولكن الأمر بدأ يستويه عندما تأكد له أن هذه النظرات لم تكن مجرد نظرات حيوان جائع لامرأ يرجوه طعاما فما كان منه إلا أن طلب من التجار أن يعطوه هذه القطة أو حتى أن يبيعوه إياها بالثمن الذي يريدونه ولكنهم رفضوا ذلك بشدة وبرد عنيف وقاس جدا مما ولّد لديه رغبة اضافية باقتناءها حتى لو اضطر الى سرقتها…
    بعدة عدة أيام استعدت القافلة للرحيل واستعد هو بدوره لامتلاك هذا الحيوان بأي طريقة كانت وانتظر حتى تحركت القافلة وانطلق وراءها متحينا اللحظة والمكان المناسبين….
    انطلقت القافلة عند غروب الشمس اتقاءا لحرارة ذلك اليوم الصيفي الحار
    واستمرت في المسير حتى شارفت الى مكان قريب مما يعرف اليوم بالتل (أو الشيخ محمد) وهو يتابعها من بعيد دون أي يلحظوه….
    أخذ يراقب القافلة وقد تبين له انهم قرروا البقاء بعض الوقت قرب النهر المار بالمكان وأشعلوا نارا وجلس الرجال متحلقون حولها في حين كانت عيناه تمسحان المكان بسرعة للعثور على القطة التي فتنته وسرعان ما رآها اذ أخذت تتمسح بقدمي احدهم ثم ذهب باتجاه شجرة كبيرة تحوي تجويفا ضخما بداخلها ( ومثل هذه الأشجار لا يزال موجودا هناك)..ظن المسكين أن القطة ذهبت لقضاء حاجة لديها كعادة القطط المدربة واعتقد بأنها اللحظة المناسبة لسرقتها دون أن يشعر أحدا بذلك فتحرك على الفور باتجاه الشجرة وانتظر خروجها…وما هي الا لحظات حتى دب الرعب باوصاله اذ خرجت فتاة رائعة الجمال من الشجرة عوضا عن القطة وما إن رأته حتى صرخت بصوت يقشعر له الأبدان فما كان من المسكين إلا أن أطلق العنان لقدميه باتجاه البلد راكضا وراكضا وراكضا دون أن يحاول النظر الى الخلف فما رآه حتى الأن كافيا لانهاء حياته ولا حاجة له للمزيد…
    ظل بعدوه المستمر حتى دخل الخان وكان وجهه شاحبا والشعر الأبيض يغطيه وشفتاه ترجفان كما لوكان في شهر كانون فاستلمه أصحابه وأخذوا يستفسرون عما حل به…ويقال أنه ما إن انهى حديثه حتى أسلم الروح لبارئها…….

    الحكاية الخامسة عشرة….

    هذه الحكاية قد حدثت أيام التواجد العثماني في البلاد …حيث يحكى أن رجلا من أبناء بلدة ( العمرانية ) *العمرانية هو الأسم العثماني لمصياف والذي ألزقوه بها لفترة طويلة من الزمن قبل أن يعيده الأهالي الى مصياف* كان قد امتهن عملية التحطيب من الغابات المجاورة للبلدة ومن ثم بيعها للأهالي بأسعار زهيدة….
    يقال أن هذا الحطاب كان قد راوده حلم غريب جدا اذ استيقظ في صباح أحد الأيام وعلائم الدهشة بادية على وجهه وحالما سألته زوجته عما قد حل به أخبرها أنه قد رأى في المنام شيخا جليلا ملامح الطيبة بادية على وجهه وطلب منه أن يتوجه الى وادي الساجور( لاأعرف الأسم الذي كان يطلق عليه في ذلك الوقت) ونحو الجسر الروماني الذي ينتصب هناك وبأنه سيجد ما يسره وما سيسعده طيلة حياته…
    لم يأخذ الرجل بجدية ما رأى فلم يكن ليؤمن بالأحلام ورغم أصرار زوجته على الذهاب إلا أنه كان يأبى باستمرار..ولكن الذي حدث أن الرؤيا كانت تتكرر باستمرار وليوم ويومين وثلاثة مما دفع الرجل الى التصديق بما رأى وعقد العزم على الذهاب…
    في اليوم التالي بدأ الرجل بالاستعداد فتوضأ أولا وصلى صلاة الصبح ومن بعدها صلى ركعتين لله سبحانه وتعالى من أجل أن يوفقه ويهديه ..
    ورغم اصرار الزوجة على الذهاب معه الا أنه رفض بشدة فهو من رأى المنام ولم يطلب منه الشيخ أن يصحبه أحد الى هناك..وبالفعل أنطلق وحيد وزوجته بقيت في المنزل وهي تمني نفسها بعيش رغيد من اليوم فصاعدا فهي متأكدة بأن الخير سيفتح أبوابه لزوجها هناك…
    ويقال أن هذه الزوجة المسكينة لم ينلها الا الحزن والدموع لمدة أسبوع كامل كانت كافية لانهاء حياتها اذ أن الزوج مذ غادر المنزل لم يعد ولم يعثر له على أي أثر….

    الحكاية السادسة عشرة…

    هذه الحكاية حدثت أيام الاحتلال الفرنسي لسوريا حيث عينت السلطات الفرنسية حاكما عاما لمصياف وقضاءها يدعى (فييوveo ) و فيو هذا رغم أنه كان فرنسيا الا أنه كان معجبا بمصياف لدرجة كبيرة خاصة أنه كان يعشق التاريخ وقرأ كثيرا عن تاريخ مصياف وعظمته قبل أن يعرفها ومنذ كان طالبا في فرنسا…لذلك عمل جاهدا من بداية فترة تعيينه على اعمار مصياف فأنشأ العديد من الصروح التي لا تزال باقية حتى اليوم كمقصف الوراقة الخيالي بالأضافة الى مدرسة رائعة فرنسية التصميم كانت تقوم مكان مدرسة ( سيف الدولة ) الحالية…
    لم يكن ( فيو ) معجبا بتاريخ مصياف فحسب بل اعجبه كثيرا طبع أهلها وحبهم للعمل رغم مواردهم الشحيحة وحركتهم الدؤوبة لكسب رزقهم في هذه الأحوال الاقتصادية المتردية….
    من قرائته المعمقة للتاريخ كان على علم بوجود بلدة اخرى تدعى القدموس تربطها بمصياف روابط عميقة للغاية وبان مجتمعها هو جزء مستنسخ بمعظمه عن المجتمع المصيافي فأراد أن يراه بأم عينه وكله شوق لملاقاة (القدامسة)…
    في أحد ألأيام طلب من مرافقيه الاستعداد للصعود الى القدموس والاطمئنان الى الاوضاع هناك ..فركبوا سياراتهم وصعدوا اليها…
    حال وصولهم إلى هناك بدأوا يمشون في سوق البلدة التي خيل اليهم وكأنها مهجورة فلا أحد يمشي ولا أحد يعمل والدكاكين معظمها مغلق فاستغربوا من الأمر وأكملو طريقهم بين البيوت والحارات ليفاجئوا بأن كل واحد قد وضع كرسيا أمام بيته وجلس يتناول شيئا أو يدخن السجائر ويشكو قلة الرزق لجاره الذي هو بدوره يتربع عتبة باب داره…
    نظر (فيو) إلى هذا الوضع الذي شاهده أمامه ومن ثم صاح بمرافقيه ( أعيدوني بسرعة إلى مصياف فبالقدموس كل واحد هو (فيو) )

اترك تعليقاً