بيت التراب ، المعرجلينة ، الساموك من تراث مصياف
أغسطس 20th, 2010 بواسطة علي سمعول
بيت التراب ، المعرجلينة ، الساموك من تراث مصياف
بسم الله الرحمن الرحيم
نتابع معكم سلسلة من تراث مصياف مع ملك الأرز
وفي هذا الموضوع سنتكلم عن بيت التراب ودور المعرجلينة ( المعرجليني ) والساموك
.
تمسك الإنسان المصيافي بأرضه وبمكانه الذي يعيش فيه وأحبه حبا جمّاً وذلك لشعوره بالأمان في أرضه وبلده وبين أقاربه وجيرانه فكان لا بد من مكان صغير يأويه من برد وعواصف الشتاء وحر الصيف فكان السبيل لذلك هو البيت المصيافي القديم ( بيت التراب )
.

.
الذي كان يبنيه وسط أهله ومعارفه وفي حارته معتمدا في بنائه على المواد الأولية المتوافرة في بيئته المحيطة والتي كانت بسيطة جدا ولكن في نفس الوقت تفي بالغرض الذي سوف تستخدم من أجله وبأحسن الحالات
كانت البيوت تبنى عن طريق (العونة ) تعاون الناس مع بعضها البعض حيث كانت الأمور تجري كالتالي :
مثلا اليوم هو يوم بناء غرفة ضمن ساحة بيت مصيافي موجود سابقا وهذه الغرفة ستكون غرفة زواج حسين ( مثلا ) حيث سيسكن حسين مع أهله في البيت ولكن أهله سيبنون له غرفة له ولزوجته ( العروس القادمة عن قريب )
في هذا اليوم يجتمع الخلان والأقارب لمساعدة أبو حسين وابنه في بناء هذه الغرفة ويكون هناك عدد كبير لمساعدتهم في البناء ( لأنه سيأتي وقت سيساعدوهم أبو حسين وابنه ) هذه اللمة الرائعة من المحبة والتعاون تبدأ بتحديد مكان بناء الغرفة وتحدد أبعادها ويتم وضع حجر الأساس لكل جدار بعد حفر مجرى صغير في الأرض لكي يتم وضع الأساس للجدار فيه ويبدأ البناء بصنع جدارن عريضة وذلك لكي تحتمل ثقل السقف ولكي تكون متينة وعازلة ويكون الجدار على الشكل التالي : ((( أحجار كبيرة - جمش [حجارة صغيرة وحصى] مع كلس وتراب - أحجار كبيرة ))) وبالتالي يصل سمك الجدار احيانا الى المتر ( حيطعالحبتين وبينهما الجمش )
الحجارة تأتي من صخور المنطقة وبالتالي تكون الحجارة في مصياف من الصخور الكلسية وكان هناك في مصياف أصحاب مهنة تكسير الحجارة والصخور وتشكيلها يسمى الكسّارومن أشهر الذين عملو في هذه المهنة هم :
شريف العيد
عبد الله جرعتلي أبو حيدر
محمد شيحاوي أبو علي
أحمد وطفة أبو عبدو
أبو شاهين علي باشا
علي العيد أبو محمود
طبعا مع دخول الاسمنت كان بعض هؤلاء يقومون بتكسير الحجارة لتصبح حصى للصبّة ( صب السطح )
يستمر بناء الجدار على هذه الطريقة وبوضع الكلس كمادة رابطة بين الحجارة وبينالجمشات حتى يصل إلى الارتفاع المطلوب من 4 – 5 م حيث كانت البيوت القديمة مرتفعة الأسقف وذلك بسبب وجود الكانون وصوبة الحطب داخل الغرفة وبالتالي صعود غازات الاحتراق وأهمها غاز ثاني أوكسيد الكربون والغاز السام من الاحتراق الغير كامل أول أكسيد الكربون حيث أن هذا الارتفاع يسمح بصعود هذه الغازات بعيدا عن مستوى تنفس الإنسان وزيادة حجم الهواء في الغرفة وبالتالي تقليل تركيز هذه الغازات وأيضا لوجود فتحة بين السقف والجدار( الرَوزَنِه ) تعمل كشافط لهذه الغازات وبالتالي تخفيف تركيزها بشكل مستمر
هذه الصورة يظهر فيه الجدار الخارجي للغرفة المطل على أرض الدار و الرَوزَنِه واضحة بالصورة
.

.
كما أن هذا الإرتفاع أيضا يفيد في الصيف حيث يجعل الجو داخل الغرفة أكثر برودة وعدم التسخين الكبير للهواء داخل الغرفة نتيجة الاشعاع وبالتالي تبقى درجة الحرارة معتدلة كما أن مادة السقف تعتبر عازل جيد سنأتي على ذكرها لاحقنا هنا في هذا الموضوع
بعد وصول كافة الجدران إلى الارتفاع المطلوب تغطى الشقوق المنسية بالكلس أو الطينة المستخدمة ( البعض يستخدم تراب مع تبن ) وتغطى الجدران من الداخل بتربة بيضاء تسمى حوارة ( متل التلييس )
نتيجة لسمك هذه الجدارن كان هناك عملية لاستغلال هذا السمك عن طريق صنع خزانات في هذه الجدارن لوضع الحاجات وأدوات المنزل فكان هناك الخرستانة و اليوك
اليوك هو عبارة فتحة كبيرة عرضها يصل إلى 2 م وارتفاعها 3 م وعمقها في الجدار حوالي نصف عرض الجدار أو أكبر بقليل لذلك البعض كان يصنع جدار الخرستانة واليوك بعرض كبير
فائدة اليوك هو وضع الفرشات واللحف والحرامات والبسط والشراشف و المخدات حيث لم تكن هناك أسرة للنوم عليها بل فرشات تمد على الأرض بجانب بعضها البعض والكل ينامون بجانب بعضهم البعض في البيت حيث هناك فرشة للختيارة وفرشة للأولاد وفرشة للأب والأم
أما الخرستانة فكانت مثل اليوك ولكن على أصغر أو بحجمها ولكن تحوي على رفوف خشبية تستخدم لوضع الطعام عليها أو بعض الحاجات الأخرى
الصورة التالية توضح اليوك على اليسار و جزء من الخرستانة على اليمين ( بسبب وجود الخزانة ) واليوك مغطى بشرشف لإخفاء ما وراءه
.

.
الصورة التالية خرستانات صغيرة في الجدار
.

.
النوافذ بشكل عام كانت قليلة ولكن تصنع على شكل قنطرة حتى تحمل ثقل الحجارة فوقها حيث يتم تعشيق أحجار القنطرة مع بعضها البعض بطريقتين إما عن طريق ثقل الحجارة وبالتالي تكون الحجارة لها اشكال شبه مخروطية حتى تستند على بعضها البعض او يتم صنع نتوء على حجرة وفراغ مقابل بنفس الحجم على الأخرى وبالتالي يتم التعشيق
.

.
النوافذ كانت غالبا بجهة ساحة البيت العربي المصيافي القديم حيث على الاغلب هو الجدار الوحيد الذي يحوي نوافذ
الصورة التالية توضح نوافذ البيت القديم الأصلي بدون تلييس كما كان منذ 100 عام أو أكثر
.

.
الصورة التالية هي النوافذ لبيت قديم ولكن مع تلييس ودهان ولكن الشكل كما هو لم يتغير
.

.
الآن نأتي إلى صنع السقف والسطح ( الصبة سابقا )
كانت تتم صناعة السقف كالتالي
كانوا يأتون بعمود خشبي على شكل حرف T يسمى الساموك وهو يصنع من خشب قوي جدا لكي يتحمل الضغط الذي فوقه لذلك الأغلب في مصياف كان يصنع من خشب الجوز والبعض من السنديان ولكن المفضل في مصياف هو الجوز
.

.

.
كان يقوم بقطع الساموك في مصياف
الحاج مصطفى الصعب
أحمد شمة ( ابو حنك )
ابراهيم بلقيس ابو حسين
اسماعيل عبدو ابو احمد
سليمان سمعول سمعول
كان يوجد في الغرفة الواحدة ساموك واحد ولكن في حال اتساع مساحة الغرفة كان يستخدم أكثر من ساموك ( سويميك – سواميك )
.

.
يوضع فوق الساموك البَدّ وهو عمود خشبي طويل يوضع على جدران البيت ( من الجدار إلى الجدار المقابل له ) و يساعده في تحمّل الثقل الساموك حيث أن البدّ يتوضّع في عدة نقاط على تيجان السواميك
يكون البد هذا عبارة عن جذوع أشجار أو أغصان أشجار ضخمة يتميز بسماكة معينة ويكون من خشب لا يؤثر فيه سوس الخشب ويكون بقوة كافية لتحمل الضغط لذلك كان يصنع في مصياف من أخشاب الريحان نعم الريحان ربما تستغربون ولكن عندما سألت الختايرة قالوا لي أن الريحان كان عبارة عن أشجار كبيرة ويصل طول أغصانها إلى 4 م وبسماكة ممتازة لتكون بدّ قوي ومتين ( طبعا هادا ريحان أيام زمان المعمر ولأنه لم يكون هناك بيع للريحان على دوار الشهداء جانب المقبرة )
وأيضا كان البدّ من البلوط أو الجوز وأحيانا يستخدم الحور للتقوية إن كان موجودا
يطلق أحيانا على البدّ اسم مداد ( مدّ ) حسب اللفظ طبعا والإدغام عند المصايتة
ويوضع فوق البدّ العَرْقة (من كلمة عرق ) وهي أيضاً عمود خشبي أقصر من البدّ حيث تتوضّع العرقات بين بدّين متوازيين لتوزيع ثقل السقف على مجموع البدود
الصورة التالية توضح البدات والعرقات مصطفة عليهم بشكل متوازي
.

.
وفوق العرقات كانت توضع حصيرة تصنع من القش الذي ينمو على حواف نهر المخاضة ( القش الذي تصنع منه القشوات ) ولكن هذه كانت صعبة لكبر المساحة و لأنها كانت تأخذ وقتا في الصنع أو لغلاء سعرها في حال طلب صنعها من إحدى النسوة في البلدة لذلك كان معظم أهل مصياف يقومون بجلب القصب من عين البيطار والمخاضة ووادي القواس ووادي الحليمات أو من نهر الدوسة أو من أي مكان فيه مياه حيث ينمو القصب
ثم يمدون القصب فوق العرقات و البدّ ليصبح كالحصير
ثم يأتون بالبلان ( الشوك ) ويضعوه فوق القصب ويدوسونه أو يكبسونه حتى يستوي على السطح
أحيانا كانو يقومون بجلب البلان قبل أسبوع ثم يرشونه بالماء ويضعون فوقه حجارة ثقيلة وذلك حتى يستوي ويصبح مده سهلا ولا حاجة لتكبيسه فوق السطح أي طريقة لتسهيل تشكيله على السطح واستخدامه
هنا تبدأ الصبة الفعلية حيث يتم إحضار نوع معين من التراب اسمه ( طرابة سمّ الموت ) وهي تربة لونها أزرق فاتح ( على بياض ) وهي تربة كتيمة جدا لا تنفذ المياه و كانت تحضر من قرية حيلين او منطقة عين الدليبة ( شرق المحاسبة على طريق جب رملة ) حيث تفرش هذه التربة بسماكة 10 سم بعد خلطها بالماء ثم يأتي نوع آخر من التربة وهوالحوارة البيضاء التي قد تخلط مع التبن أو تترك كما هي وأيضا بسماكة 10 سم وبعد يأتي تراب عادي من المنطقة المحيطة مجبول مع التبن والقش ( طالوش ) ليتماسك بسماكة 10 سم وبعدها تراب عادي ناشف
طبعا كان يصنع السطح بميل معين باتجاه معين وذلك حتى لا تجتمع مياه الأمطار على السطح فتؤذيه وفي أخفض نقطة من السطح مكان مسيل المياه إليه كان هناك (مزريب السطح) وهو عبارة عن قطعة صغيرة من معدن التنك يبلغ طولها وعرضها عشرة سنتمترات تطوى في الوسط وتوضع في زاوية المنزل الأكثر انخفاضاً وذلك لتؤدي وظيفة تفريغ مياه الامطار المتجمعة وقت هطول المطر لتذهب فيه الى خارج السطح والجدران
هنا يأتي دور آلة بسيطة هامة جدا في حياة المصيافي وهي المعرجلينة وهي عبارة عن مدحلة حجرية اسطوانية الشكل طولها بين 80 -100 سم وقطرها 30-40 سم يصل وزنها إلى أكثر من 100 كغ
.

.
وأخبرني والدي عن معرجلينة قام بوزنها فوجدها 114 كغ وقال لي بأنها المقاس الأكثر انتشار في مصياف وقال بأن هناك معرجلينات أكبر تصل إلى حدود 200 كغ ولكنها تستخدم لرصف الطرق
تصنع المعرجلينة من صخور المنطقة المحيطة لذلك كان المنتشر في مصياف المعرجلينة البيضاء الكلسية ولكن قد تصنع من البازلت الأسود إن كان متوفرا وهي نادرة في مصياف لأنها تجلب من حمص إن كانت موجودة في مصياف
يصنع على وجهي الاسطوانة الحجرية الدائرتين ثقف صغير ( فرزة ) بعرض 2-3 سم وبعمق 5-10 سم وذلك لدخول قوس معدني من الطرفين لجر المعرجلينة من خلالهما وبالتالي تدور المعرجلينة أثناء الجر والدفع لها على السطح
.

.
وظيفة المعرجلينة هي دحل السطح الترابي الحديث التشكيل ورص التربة وسد الفجوات والثقوب الصغيرة لتشكيل سطح متراص ومتماسك عديم الثقوب حتى لا تدخل مياه المطار من خلاله إلى البيت ( أي حتى لا يدلف السطح )
طبعا المعرجلينة لا تغادر السطح على الغالب في مصياف وتوضع على زاوية السطح حتى يكون ثقلها على الجدران ولا تؤثر على السطح
.

.
وسبب بقائها هو التالي :
مصياف تتميز بأمطار غزيرة جدا في الشتاء وأحيانا هطولات غزيرة في زمن قصير وهذا الهطل يؤثر على السطح وعلى أماكن الضعف في السقف أو يزيل طبقة او أكثر من التراب حسب قوة تساقطه وبالتالي يدلف السطح ويسمح للمياه بالمرور للداخل فلذلك يقوم صاحب البيت مباشرة بعد انتهاء المطر بالصعود إلى السطح و تحديد مكان الدلف فاذا كان الدلف قليلا يقوم بوضع قليل من التراب ويدحلها اما اذا كان الدلف غزيرا فهنا يقوم بعمل فتحة مكان الدلف في السطح تسمى هذه الفتحة قافعة حيث يقوم بالتنظيف حولها وازالة الاخشاب المهترئة ووضع خشب جديد وفوقها المراحل السابقة ويقوم بالدحل من جديد إلى أن يسد القافعة كلها وينتهي الدلف
كما أن السطح بحاجة للصيانة الدورية لذلك تبقى المعرجلينة على السطح حيث في الصيف ومع الحرارة المرتفعة يتشقق السطح وتتشكل اخاديد وثقوب تسمح للمياه بالمرور لذلك مع بداية موسم الشتاء هناك صيانة للسطح ولذلك في هذه الحالة يوجد صيانتان أساسيتان للسطح في بداية الشتاء بسبب الصيف وفي نهاية الشتاء بسبب الأمطار والثلوج
لذلك تتكون بين المعرجلينة وبين مقتنيها صداقة تدوم ما بقيت هذه القطعة الوفية التي يتوارثها الأهل جيلاً بعد جيل. وكم نسجت عنها حكايات وكم تباهى غير ناسٍ بأداءٍ متميز لمعرجليناتهم
طبعا السطح أحيانا كان لا يحتمل ثقل الثلج المتساقط قديما على مصياف حيث كان غزيرا فقد كانوا يلاحظون سقوط بعض الأسقف القديمة نتيجة تراكم الثلج وعدم ازالته لأن الغرفة مهجورة
.

.
ولكن الغرفة المسكونة دائما كانت تتعرض لازالة الثلج المتراكم حتى لا يؤثر على السطح بواسطة (المسحاية) وهي عبارة عن قطعة خشبية على شكل مثلث من الأسفل والعصا الخشبية التي تمسك في اليدين لتجريف سطح البيت من الثلج حيث كان يتراكم في تلك الأيام بغزارة شديدة حتى يبلغ ارتفاعه متراً في الليل ( تلجة الأربعين ) مما يضطر صاحب البيت وأولاده لعملية تعزيل شاقة الا انها جميلة جداً فيها كل مظاهر التعاون والمحبة
لذلك هناك مثل أن البيت القديم يموت مع موت صاحبه لأنه يحتاج إلى صيانة دورية
الأر ضية للغرفة كانت تصنع من حوارة وتبن أو حوارة وعور ( قصرينة – تبن خشن ) والهدف من العور أو القصرينة بما أنهما تبن خشن فهو يجعل الأرضية متماسكة بشكل أكبر ويقلل التفسخ
طبعا بالغرفة كان في حفرة صغيرة هي الموقدة التي يشعلون فيها النار ويضعون جمراتها في الكانون المتنقل في أرجاء الغرفة مكان تجمع أهل الدهار وجلوسهم
طبعا الباب وتصنيعه كان من البدائية الشيء الكثير ولكن من الجمال والبساطة الشيء الأكثر فقد كانو يستخدمون الأغصان كمفصلات للباب والصور تتكلم وتشرح
.

.

.
والبرطاش كان يصنع من حجر يصقل بشكل جيد ويوضع على أرضية باب الغرفة
.

.
والباب يكون دائما في طرف الغرفة وبقنطرته البسيطة
.

.

.
بتمنى الموضوع يعجبكن
مع تحياتي الكن
م . علي مصطفى سمعول
والى اللقاء مع المزيد من المواضيع التراثية مع ملك الأرز
بسم الله الرحمن الرحيم
نتابع معكم سلسلة من تراث مصياف مع ملك الأرز
وفي هذا الموضوع سنتكلم عن بيت التراب ودور المعرجلينة ( المعرجليني ) والساموك
.
تمسك الإنسان المصيافي بأرضه وبمكانه الذي يعيش فيه وأحبه حبا جمّاً وذلك لشعوره بالأمان في أرضه وبلده وبين أقاربه وجيرانه فكان لا بد من مكان صغير يأويه من برد وعواصف الشتاء وحر الصيف فكان السبيل لذلك هو البيت المصيافي القديم ( بيت التراب )
.
.
الذي كان يبنيه وسط أهله ومعارفه وفي حارته معتمدا في بنائه على المواد الأولية المتوافرة في بيئته المحيطة والتي كانت بسيطة جدا ولكن في نفس الوقت تفي بالغرض الذي سوف تستخدم من أجله وبأحسن الحالات
كانت البيوت تبنى عن طريق (العونة ) تعاون الناس مع بعضها البعض حيث كانت الأمور تجري كالتالي :
مثلا اليوم هو يوم بناء غرفة ضمن ساحة بيت مصيافي موجود سابقا وهذه الغرفة ستكون غرفة زواج حسين ( مثلا ) حيث سيسكن حسين مع أهله في البيت ولكن أهله سيبنون له غرفة له ولزوجته ( العروس القادمة عن قريب )
في هذا اليوم يجتمع الخلان والأقارب لمساعدة أبو حسين وابنه في بناء هذه الغرفة ويكون هناك عدد كبير لمساعدتهم في البناء ( لأنه سيأتي وقت سيساعدوهم أبو حسين وابنه ) هذه اللمة الرائعة من المحبة والتعاون تبدأ بتحديد مكان بناء الغرفة وتحدد أبعادها ويتم وضع حجر الأساس لكل جدار بعد حفر مجرى صغير في الأرض لكي يتم وضع الأساس للجدار فيه ويبدأ البناء بصنع جدارن عريضة وذلك لكي تحتمل ثقل السقف ولكي تكون متينة وعازلة ويكون الجدار على الشكل التالي : ((( أحجار كبيرة - جمش [حجارة صغيرة وحصى] مع كلس وتراب - أحجار كبيرة ))) وبالتالي يصل سمك الجدار احيانا الى المتر ( حيطعالحبتين وبينهما الجمش )
الحجارة تأتي من صخور المنطقة وبالتالي تكون الحجارة في مصياف من الصخور الكلسية وكان هناك في مصياف أصحاب مهنة تكسير الحجارة والصخور وتشكيلها يسمى الكسّارومن أشهر الذين عملو في هذه المهنة هم :
شريف العيد
عبد الله جرعتلي أبو حيدر
محمد شيحاوي أبو علي
أحمد وطفة أبو عبدو
أبو شاهين علي باشا
علي العيد أبو محمود
طبعا مع دخول الاسمنت كان بعض هؤلاء يقومون بتكسير الحجارة لتصبح حصى للصبّة ( صب السطح )
يستمر بناء الجدار على هذه الطريقة وبوضع الكلس كمادة رابطة بين الحجارة وبينالجمشات حتى يصل إلى الارتفاع المطلوب من 4 – 5 م حيث كانت البيوت القديمة مرتفعة الأسقف وذلك بسبب وجود الكانون وصوبة الحطب داخل الغرفة وبالتالي صعود غازات الاحتراق وأهمها غاز ثاني أوكسيد الكربون والغاز السام من الاحتراق الغير كامل أول أكسيد الكربون حيث أن هذا الارتفاع يسمح بصعود هذه الغازات بعيدا عن مستوى تنفس الإنسان وزيادة حجم الهواء في الغرفة وبالتالي تقليل تركيز هذه الغازات وأيضا لوجود فتحة بين السقف والجدار( الرَوزَنِه ) تعمل كشافط لهذه الغازات وبالتالي تخفيف تركيزها بشكل مستمر
هذه الصورة يظهر فيه الجدار الخارجي للغرفة المطل على أرض الدار و الرَوزَنِه واضحة بالصورة
.
.
كما أن هذا الإرتفاع أيضا يفيد في الصيف حيث يجعل الجو داخل الغرفة أكثر برودة وعدم التسخين الكبير للهواء داخل الغرفة نتيجة الاشعاع وبالتالي تبقى درجة الحرارة معتدلة كما أن مادة السقف تعتبر عازل جيد سنأتي على ذكرها لاحقنا هنا في هذا الموضوع
بعد وصول كافة الجدران إلى الارتفاع المطلوب تغطى الشقوق المنسية بالكلس أو الطينة المستخدمة ( البعض يستخدم تراب مع تبن ) وتغطى الجدران من الداخل بتربة بيضاء تسمى حوارة ( متل التلييس )
نتيجة لسمك هذه الجدارن كان هناك عملية لاستغلال هذا السمك عن طريق صنع خزانات في هذه الجدارن لوضع الحاجات وأدوات المنزل فكان هناك الخرستانة و اليوك
اليوك هو عبارة فتحة كبيرة عرضها يصل إلى 2 م وارتفاعها 3 م وعمقها في الجدار حوالي نصف عرض الجدار أو أكبر بقليل لذلك البعض كان يصنع جدار الخرستانة واليوك بعرض كبير
فائدة اليوك هو وضع الفرشات واللحف والحرامات والبسط والشراشف و المخدات حيث لم تكن هناك أسرة للنوم عليها بل فرشات تمد على الأرض بجانب بعضها البعض والكل ينامون بجانب بعضهم البعض في البيت حيث هناك فرشة للختيارة وفرشة للأولاد وفرشة للأب والأم
أما الخرستانة فكانت مثل اليوك ولكن على أصغر أو بحجمها ولكن تحوي على رفوف خشبية تستخدم لوضع الطعام عليها أو بعض الحاجات الأخرى
الصورة التالية توضح اليوك على اليسار و جزء من الخرستانة على اليمين ( بسبب وجود الخزانة ) واليوك مغطى بشرشف لإخفاء ما وراءه
.
.
الصورة التالية خرستانات صغيرة في الجدار
.
.
النوافذ بشكل عام كانت قليلة ولكن تصنع على شكل قنطرة حتى تحمل ثقل الحجارة فوقها حيث يتم تعشيق أحجار القنطرة مع بعضها البعض بطريقتين إما عن طريق ثقل الحجارة وبالتالي تكون الحجارة لها اشكال شبه مخروطية حتى تستند على بعضها البعض او يتم صنع نتوء على حجرة وفراغ مقابل بنفس الحجم على الأخرى وبالتالي يتم التعشيق
.
.
النوافذ كانت غالبا بجهة ساحة البيت العربي المصيافي القديم حيث على الاغلب هو الجدار الوحيد الذي يحوي نوافذ
الصورة التالية توضح نوافذ البيت القديم الأصلي بدون تلييس كما كان منذ 100 عام أو أكثر
.
.
الصورة التالية هي النوافذ لبيت قديم ولكن مع تلييس ودهان ولكن الشكل كما هو لم يتغير
.
.
الآن نأتي إلى صنع السقف والسطح ( الصبة سابقا )
كانت تتم صناعة السقف كالتالي
كانوا يأتون بعمود خشبي على شكل حرف T يسمى الساموك وهو يصنع من خشب قوي جدا لكي يتحمل الضغط الذي فوقه لذلك الأغلب في مصياف كان يصنع من خشب الجوز والبعض من السنديان ولكن المفضل في مصياف هو الجوز
.
.
.
كان يقوم بقطع الساموك في مصياف
الحاج مصطفى الصعب
أحمد شمة ( ابو حنك )
ابراهيم بلقيس ابو حسين
اسماعيل عبدو ابو احمد
سليمان سمعول سمعول
كان يوجد في الغرفة الواحدة ساموك واحد ولكن في حال اتساع مساحة الغرفة كان يستخدم أكثر من ساموك ( سويميك – سواميك )
.
.
يوضع فوق الساموك البَدّ وهو عمود خشبي طويل يوضع على جدران البيت ( من الجدار إلى الجدار المقابل له ) و يساعده في تحمّل الثقل الساموك حيث أن البدّ يتوضّع في عدة نقاط على تيجان السواميك
يكون البد هذا عبارة عن جذوع أشجار أو أغصان أشجار ضخمة يتميز بسماكة معينة ويكون من خشب لا يؤثر فيه سوس الخشب ويكون بقوة كافية لتحمل الضغط لذلك كان يصنع في مصياف من أخشاب الريحان نعم الريحان ربما تستغربون ولكن عندما سألت الختايرة قالوا لي أن الريحان كان عبارة عن أشجار كبيرة ويصل طول أغصانها إلى 4 م وبسماكة ممتازة لتكون بدّ قوي ومتين ( طبعا هادا ريحان أيام زمان المعمر ولأنه لم يكون هناك بيع للريحان على دوار الشهداء جانب المقبرة )
وأيضا كان البدّ من البلوط أو الجوز وأحيانا يستخدم الحور للتقوية إن كان موجودا
يطلق أحيانا على البدّ اسم مداد ( مدّ ) حسب اللفظ طبعا والإدغام عند المصايتة
ويوضع فوق البدّ العَرْقة (من كلمة عرق ) وهي أيضاً عمود خشبي أقصر من البدّ حيث تتوضّع العرقات بين بدّين متوازيين لتوزيع ثقل السقف على مجموع البدود
الصورة التالية توضح البدات والعرقات مصطفة عليهم بشكل متوازي
.
.
وفوق العرقات كانت توضع حصيرة تصنع من القش الذي ينمو على حواف نهر المخاضة ( القش الذي تصنع منه القشوات ) ولكن هذه كانت صعبة لكبر المساحة و لأنها كانت تأخذ وقتا في الصنع أو لغلاء سعرها في حال طلب صنعها من إحدى النسوة في البلدة لذلك كان معظم أهل مصياف يقومون بجلب القصب من عين البيطار والمخاضة ووادي القواس ووادي الحليمات أو من نهر الدوسة أو من أي مكان فيه مياه حيث ينمو القصب
ثم يمدون القصب فوق العرقات و البدّ ليصبح كالحصير
ثم يأتون بالبلان ( الشوك ) ويضعوه فوق القصب ويدوسونه أو يكبسونه حتى يستوي على السطح
أحيانا كانو يقومون بجلب البلان قبل أسبوع ثم يرشونه بالماء ويضعون فوقه حجارة ثقيلة وذلك حتى يستوي ويصبح مده سهلا ولا حاجة لتكبيسه فوق السطح أي طريقة لتسهيل تشكيله على السطح واستخدامه
هنا تبدأ الصبة الفعلية حيث يتم إحضار نوع معين من التراب اسمه ( طرابة سمّ الموت ) وهي تربة لونها أزرق فاتح ( على بياض ) وهي تربة كتيمة جدا لا تنفذ المياه و كانت تحضر من قرية حيلين او منطقة عين الدليبة ( شرق المحاسبة على طريق جب رملة ) حيث تفرش هذه التربة بسماكة 10 سم بعد خلطها بالماء ثم يأتي نوع آخر من التربة وهوالحوارة البيضاء التي قد تخلط مع التبن أو تترك كما هي وأيضا بسماكة 10 سم وبعد يأتي تراب عادي من المنطقة المحيطة مجبول مع التبن والقش ( طالوش ) ليتماسك بسماكة 10 سم وبعدها تراب عادي ناشف
طبعا كان يصنع السطح بميل معين باتجاه معين وذلك حتى لا تجتمع مياه الأمطار على السطح فتؤذيه وفي أخفض نقطة من السطح مكان مسيل المياه إليه كان هناك (مزريب السطح) وهو عبارة عن قطعة صغيرة من معدن التنك يبلغ طولها وعرضها عشرة سنتمترات تطوى في الوسط وتوضع في زاوية المنزل الأكثر انخفاضاً وذلك لتؤدي وظيفة تفريغ مياه الامطار المتجمعة وقت هطول المطر لتذهب فيه الى خارج السطح والجدران
هنا يأتي دور آلة بسيطة هامة جدا في حياة المصيافي وهي المعرجلينة وهي عبارة عن مدحلة حجرية اسطوانية الشكل طولها بين 80 -100 سم وقطرها 30-40 سم يصل وزنها إلى أكثر من 100 كغ
.
.
وأخبرني والدي عن معرجلينة قام بوزنها فوجدها 114 كغ وقال لي بأنها المقاس الأكثر انتشار في مصياف وقال بأن هناك معرجلينات أكبر تصل إلى حدود 200 كغ ولكنها تستخدم لرصف الطرق
تصنع المعرجلينة من صخور المنطقة المحيطة لذلك كان المنتشر في مصياف المعرجلينة البيضاء الكلسية ولكن قد تصنع من البازلت الأسود إن كان متوفرا وهي نادرة في مصياف لأنها تجلب من حمص إن كانت موجودة في مصياف
يصنع على وجهي الاسطوانة الحجرية الدائرتين ثقف صغير ( فرزة ) بعرض 2-3 سم وبعمق 5-10 سم وذلك لدخول قوس معدني من الطرفين لجر المعرجلينة من خلالهما وبالتالي تدور المعرجلينة أثناء الجر والدفع لها على السطح
.
.
وظيفة المعرجلينة هي دحل السطح الترابي الحديث التشكيل ورص التربة وسد الفجوات والثقوب الصغيرة لتشكيل سطح متراص ومتماسك عديم الثقوب حتى لا تدخل مياه المطار من خلاله إلى البيت ( أي حتى لا يدلف السطح )
طبعا المعرجلينة لا تغادر السطح على الغالب في مصياف وتوضع على زاوية السطح حتى يكون ثقلها على الجدران ولا تؤثر على السطح
.
.
وسبب بقائها هو التالي :
مصياف تتميز بأمطار غزيرة جدا في الشتاء وأحيانا هطولات غزيرة في زمن قصير وهذا الهطل يؤثر على السطح وعلى أماكن الضعف في السقف أو يزيل طبقة او أكثر من التراب حسب قوة تساقطه وبالتالي يدلف السطح ويسمح للمياه بالمرور للداخل فلذلك يقوم صاحب البيت مباشرة بعد انتهاء المطر بالصعود إلى السطح و تحديد مكان الدلف فاذا كان الدلف قليلا يقوم بوضع قليل من التراب ويدحلها اما اذا كان الدلف غزيرا فهنا يقوم بعمل فتحة مكان الدلف في السطح تسمى هذه الفتحة قافعة حيث يقوم بالتنظيف حولها وازالة الاخشاب المهترئة ووضع خشب جديد وفوقها المراحل السابقة ويقوم بالدحل من جديد إلى أن يسد القافعة كلها وينتهي الدلف
كما أن السطح بحاجة للصيانة الدورية لذلك تبقى المعرجلينة على السطح حيث في الصيف ومع الحرارة المرتفعة يتشقق السطح وتتشكل اخاديد وثقوب تسمح للمياه بالمرور لذلك مع بداية موسم الشتاء هناك صيانة للسطح ولذلك في هذه الحالة يوجد صيانتان أساسيتان للسطح في بداية الشتاء بسبب الصيف وفي نهاية الشتاء بسبب الأمطار والثلوج
لذلك تتكون بين المعرجلينة وبين مقتنيها صداقة تدوم ما بقيت هذه القطعة الوفية التي يتوارثها الأهل جيلاً بعد جيل. وكم نسجت عنها حكايات وكم تباهى غير ناسٍ بأداءٍ متميز لمعرجليناتهم
طبعا السطح أحيانا كان لا يحتمل ثقل الثلج المتساقط قديما على مصياف حيث كان غزيرا فقد كانوا يلاحظون سقوط بعض الأسقف القديمة نتيجة تراكم الثلج وعدم ازالته لأن الغرفة مهجورة
.
.
ولكن الغرفة المسكونة دائما كانت تتعرض لازالة الثلج المتراكم حتى لا يؤثر على السطح بواسطة (المسحاية) وهي عبارة عن قطعة خشبية على شكل مثلث من الأسفل والعصا الخشبية التي تمسك في اليدين لتجريف سطح البيت من الثلج حيث كان يتراكم في تلك الأيام بغزارة شديدة حتى يبلغ ارتفاعه متراً في الليل ( تلجة الأربعين ) مما يضطر صاحب البيت وأولاده لعملية تعزيل شاقة الا انها جميلة جداً فيها كل مظاهر التعاون والمحبة
لذلك هناك مثل أن البيت القديم يموت مع موت صاحبه لأنه يحتاج إلى صيانة دورية
الأر ضية للغرفة كانت تصنع من حوارة وتبن أو حوارة وعور ( قصرينة – تبن خشن ) والهدف من العور أو القصرينة بما أنهما تبن خشن فهو يجعل الأرضية متماسكة بشكل أكبر ويقلل التفسخ
طبعا بالغرفة كان في حفرة صغيرة هي الموقدة التي يشعلون فيها النار ويضعون جمراتها في الكانون المتنقل في أرجاء الغرفة مكان تجمع أهل الدهار وجلوسهم
طبعا الباب وتصنيعه كان من البدائية الشيء الكثير ولكن من الجمال والبساطة الشيء الأكثر فقد كانو يستخدمون الأغصان كمفصلات للباب والصور تتكلم وتشرح
.
.
.
والبرطاش كان يصنع من حجر يصقل بشكل جيد ويوضع على أرضية باب الغرفة
.
.
والباب يكون دائما في طرف الغرفة وبقنطرته البسيطة
.
.
.
بتمنى الموضوع يعجبكن
مع تحياتي الكن
م . علي مصطفى سمعول
والى اللقاء مع المزيد من المواضيع التراثية مع ملك الأرز




