خبز التنور
ديسمبر 12th, 2009 بواسطة محمد العمر

منذ أكثر من 8000 سنة و الشعب السوري عبر مختلف الحضارات يتناول مادة الخبز في كل تفاصيل حياته و يعتبره من أهم المواد الأساسية في سلسلته الغذائية … و رغم إنتشار الأفران الآلية التي تنتج الكميات الكبيرة منه لمجاراة الطلب الكبير فإنها لم تنتج تلك النكهة التي تنتجها الأفران القديمة المصنوعة من الطين … فهاهي هذه الأفران تعود اليوم من جديد لتصنع لنا الخبز الطازج و الذكي متوجاً بنكهته التي لا تفارق مخيلة من يشتريه .
فبعد أن عادت مدينة مصياف و ريفها إلى قائمة السياحة السورية ، إنتشرت هذه الصنعة على طول الطرقات و في أماكن مختلفة … و خاصة على طريق القدموس و طريق وادي العيون وطريق ديرماما و طريق البياضية …
يحتاج إنشاء فرن التنور إلى أكثر من عشرة أيام ، حيث يتم جلب التراب ( الأحمر ) المخصص لصناعته و الذي يتم خلطه بالماء و يترك لمدة يومين حيث يضاف له بعدها الملح و التبن و شعر الماعز … و اللآن يضاف له الخيش و القنب لزيادة تماسك كتلة الطين المصنوعة و تبدأ بعدها عملية العجين مع بعضه البعض ليصبح قوياً متماسكاً و مطواعاً …
في هذه الأثناء يتم بناء كتلة حجرية مجوفة ( من الباطون حالياً ) بعمق 70 – 80 سم على شكل صندوق مفتوح و بعرض 90 سم تقريباً … ثم تتم عملية إكساء هذا التجويف الباطوني بالطين الذي تم عجنه و يتم ذلك على ثلاث مراحل … الحلقة الدائرية حول فوهة التجويف بقطر 90 سم تقريباً و بسماكة لا تقل عن 3 سم ثم يترك ليجف إلى اليوم التالي و لذلك فهو يحتاج إلى جو صافي مرتفع الحرارة و عادة ما يتم إنشاءه في الصيف .. في اليوم التالي يتم إكساء جسم التجويف بذات السماكة أو أكثر بـ 1 – 2 سم تقريباً و في اليوم الثالث أو الرابع يتم إكساء قعر التجويف بسماكة 5 – 6 سم تقريباً بشكل دائري مقعر … و يترك حتى يجف بشكل نهائي و كامل و قد يستغرق هذا قرابة الأسبوع ، في هذه الأثناء يتم بناء مسطبة حجرية على جانبي فوهة الفرن لصناعة العجين عليها ، و حينها يصبح التنور جاهزاً للعمل .
أم شاهين صنعت لنفسها فرناً ترتزق منه على الطريق في قرية دير ماما قرب مفرق الزاوي …

حدثتني و هي تصنع العجينة أنها قد تستغرق في صنع العجينة أكثر من ساعة فهي تهتم بتفاصيل العجينة إلى أصغر الحدود فلابد أن تكون مقادير الطحين و الماء و الملح و الخميرة و السماق و حبة البركة صحيحة لتكون العجينة جيدة و لا ينقصها سوى الخبرة في جعل العجينة مطواعة و لينة و متماسكة … فأم شاهين تعتبر أن وجود الخبرة أمر ضروري لتكون لذيذة المذاق و شهية … في هذه الأثناء كانت أم شاهين قد أوقدت الفرن و تحول لون الفرن الأحمر إلى الوردي فالأبيض يعلن أنه أصبح جاهزاً لإستقبال العجين … فتقوم أم شاهين بتقطيع العجين إلى كرات صغيرة ثم تقوم بترقيقها و مدها على ( الكارة ) و هي قطعة من القماش السميك ( اللباد ) دائرية الشكل تساعدها على لصق العجينة على جدران الفرن و في أقل من دقيقتين يكون الخبز أصبح مقمراً فتمد يدها بين ألسنة اللهب لتنزعه عن الجدار بخفة متناهية و تضعه على المسطبة الجانبية … و تبيع الرغيف الواحد بـ 5 ليرات سورية فقط .
تمتد الأفران على طول الطرقات بين مصياف و ريفها و ليس بوسع أحد أن يمر أمام أحدها إلا و يرغب في التوقف لبضع دقائق لشراء هذا الخبز الذي يمكن أكله ( حاف ) فرائحته الزكية الممزوجة مع الحطب لها رونق خاص ، غير أن بعض الأفران لا تنتج الخبز فحسب بل شملت أيضاً الفطائر بأنواعها ( سلق – جبنة – زعتر – سبانخ – محمرات … )
بقلم : محمد العمر
تصوير : علي سمعول




